السيد محمد الصدر
461
تاريخ الغيبة الصغرى
والعصيان « 1 » . وهذا هو موقف كل النبوات من المؤمنين والعصاة عادة . وهذه التوراة نفسها تفسر ما وقع على اليهود خلال ما يسمى بالسبي البابلي ، انه نتيجة لما جنته أيديهم من الموبقات والذنوب « 2 » . - 13 - وكانت إنجازات النبي موسى بن عمران عليه السلام في رفع المستوى الفكري والايماني للبشرية ، متمثلا في عدة أمور ، بعد الاعتماد على مجموع ما تنطق به التوراة والقرآن من أخبار : الأمر الأول : انه استطاع أن يقرب فكرة وجود الخالق القدير إلى الأذهان ، بشكل واضح جدا ، باعتبار المعجزات التي كان يقوم بها والكلام الذي كان ينقله . ولا حاجة الآن إلى الدخول في أمثلته . الأمر الثاني : إيجاد شريعة كاملة مناسبة مع عصره ، أوسع من شريعة النبي نوح عليه السلام وأعمق ، يعتبر الفرق بينهما ممثلا للفرق في الذهنية البشرية بين العصرين ، بعد أن كانت قد تكاملت على يد خط النبوات خلال هذه الفترة الطويلة . وقد تكفلت شريعته جوانب اقتصادية وجزائية وأخلاقية وعبادية مهمة . الأمر الثالث : قضاؤه على السلطان الكافر ، فرعون ، الذي كان في عصره واضح القوة والجبروت . وقد أعطى موسى ( ع ) بذلك درسا لكل سلطان جائر بأنه سوف يركع أمام الحق ، وبالتالي أمام الهدف الايماني في يوم من الأيام . الأمر الرابع : مباشرته للفتح الديني وتوسيع الدعوة الإلهية عن طريق الحرب . وقد باشرت البشرية هذه المهمة تحت قيادته بعزم وإخلاص ، وبقيت كذلك مع خلفه يوشع بن نون ( ع ) . وقد وجدت هذه الصفة لأول مرة - حسب ما نعرف - في الدعوة الإلهية ، حيث تجاوزت النبوات مرحلة الاقناع والجدل إلى مرحلة السيطرة والقتال ، وتجاوزت مهمة المؤمنين من مجرد الوعظ والارشاد إلى حمل هموم العالم الواسع الذي يجب أن يدخل كله في دائرة الايمان . الأمر الخامس : تأسيسه عليه السلام لشيء يشبه الدولة في قومه والمؤمنين به .
--> ( 1 ) انظر : اللاويين / الأصحاح السادس والعشرون عموما . وانظر التثنية 2 / 15 فما بعده . وكلاهما بلسان موسى عليه السلام . ( 2 ) انظر : أخبار الأيام الثاني : 36 / 14 - 18 .